أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
68
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
الرسالة وحارب حتّى خرّ صريعاً . إنّ لحظات التزاحم بين الدنيا والرسالة هي اللحظات التي يصعد فيها الداعية أو يهبط ، هي اللحظات التي ينجح فيها الداعية أو يسقط . إذاً فهذا هو المائز الثالث الذي يتميّز به الموقف الإيجابي للداعية . وبحسب الحقيقة ، فإنّ هذه الفوارق الثلاثة ترجع بحسب روحها إلى نقطة جوهريّة واحدة . وهذه النقطة الجوهريّة الواحدة هي أنّ الدنيا هي مجال العمل ، لا الدافع إلى العمل ، هذا هو الفارق بين إيجابيّة الداعية وإيجابيّة غيره وبقدر ما يتوفّر في الجماعة الذين آلوا على أنفسهم أن يسيروا في الاتّجاه الثالث بقدر ما يتوفّر فيهم من الخصائص الروحيّة والشرائط الفكريّة والقابليّات النفسيّة التي تمهّد لهم تحقيق هذه المميّزات الثلاثة والحرص عليها وتشييدها في سلوكهم ، في خطّ عملهم ، بقدر ما يتوفّر لهم ذلك يتوفّر لهم النجاح والفلاح ورضا الله سبحانه وتعالى والوصول إلى ما لا أذن سمعت ولا عينٌ رأت ولا عرض على خيال بشر . والوصول إلى الجنّة التي وعد الله بها المتّقين وهذه الأمور الثلاثة أو المميّزات الثلاثة تظهر أكثر فأكثر كلّما شقّ الداعي طريقه أكثر فأكثر ويتعرّض الداعي لها أكثر فأكثر كلّما اتّسع مجاله وكلّما امتدّ ميدانه وكلّما تنوّعت مشاكله وكلّما تعدّدت كما صار هذا أصبح معرّضاً أكثر لكي يثبت قدرته على الاحتفاظ بهذه المميّزات الرئيسيّة الثلاثة . وما دمنا نحن الآن في أوّل الشوط وفي بداية الخطّ فأرجو منكم وأرجو من نفسي أن نفكّر دائماً وأن نتدبّر دائماً موقفنا ، أن نتدبّر أنفسنا وأن نمرّن عقولنا وقلوبنا على هذه الأمور الثلاثة . من الآن يجب أن نراجع أنفسنا بين كلّ حين وحين لكي نتأكّد من سلامة تفكيرنا ومن سلامة أجهزتنا الروحيّة والعقليّة ، من أنّ هذا الدافع الذي نعيشه ، هذا الدافع الروحي الذي نعيشه لا يزال متأجّجاً ، لا يزال مشعراً في نفوسنا يملأ جوانب وجودنا ، لا تزال المسؤوليّة موجودة في أعماقنا لا تزال هذه المسؤوليّة تعيش معنا في كلّ تصرّفاتنا وسلوكنا . أيّها الإخوان ! حينما نفكّر في المصالح والمفاسد يجب أن نرجع إلى أنفسنا بين كلّ حين وحين لنرى أنّنا بأيّ عقليّة نفكّر وبأيّ دافع نفكّر ، وهل أنّنا نفكّر بدافع موقفنا الرسالي أو نفكّر بدافع موقف آخر العياذ بالله . أيّها الإخوان ! يجب علينا أحياناً أن نمتحن أنفسنا ولو بأن نقوم بعمليّة مضادّة لما نفكّر ، وذلك لأجل أن نرى أنّنا كيف ولماذا وبأيّ صورة نفكّر ؟ ! أي بتعبير آخر : إنّنا في اللحظة التي نشكّ في أنفسنا ، في اللحظة التي يخطر على بالنا أنّه لعلّ تفكيرنا لم ينبع من واقع المسؤوليّة والرسالة ، في لحظة الشكّ ، من المستحسن أن نجرّب أنفسنا ، أن نمتحن أنفسنا ، وذلك بأن نخالف ، وذلك بأن نرفع يدنا عمّا آثرنا في تلك القضيّة أو في هذه القضيّة لكي نرى أنّ تفكيرنا في تلك القضيّة أو في هذه القضيّة ، في هذه المسألة ، في حلّ هذه المشكلة في التغلّب على هذه الصعوبة ، في تحسين هذه المصلحة ، في اكتساب هذه الفائدة . إنّ تفكيرنا كان تفكيراً موضوعيّاً ، كان تفكيراً رساليّاً ، كان تفكير ذلك الشخص الذي يريد أن يسير في موكب الأنبياء والأوصياء والشهداء والصدّيقين وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً « 1 » . أنا أقول هذا ولا يعني أنّني ضعيف الثقة بكم أيّها الأعزّاء ، فأنتم والحمد لله قرّة العين ، وأنتم والحمد لله أولئك الذين يمكن لإنسان أن يرافقهم في هذا الطريق الطويل الطويل البعيد البعيد ، ولكن طويل مع قوّة ، طويل مع لذّة ، لا طويل مع سأم وملل . إنّ اللذّة التي يجنيها الإنسان من تحقيق انتصارات أهدافه ورسالته
--> ( 1 ) النساء : 69 .